فصل: مسألة الذي يصيبه الجذام فتصبر عليه امرأته سنين ثم تريد فراقه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الرجل يتزوج المرأة بنكاح جائز ثم تناكره وقد تفرق شهوده:

وقال في الرجل يتزوج المرأة بنكاح جائز ثم تناكره وقد تفرق شهوده فلا يقضى لها عليه بنكاح، هل له أن يتزوج أختها أو رابعة من النساء إن كان عنده ثلاثة معها، قال: لا أرى له أن يتزوج أختها حتى يطلق تلك التي قضي عليه فيها طلاقا بائنا لأنه يعلم أنها زوجته إلا أنه قضي بينهما على الظاهر من الأمر، فأرى أن لا ينكح أختها ولا الرابعة سواها حتى يطلقها، وأنا أستحب له أن يطلقها لأن تكون في سعة إن تزوجت رجلا، ولا يحرجها ولا يؤثمها تزوج أختها أو لم يتزوجها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر على ما هو عليه في الباطن عند من علمه، قال الله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 188] الآية وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من نار» وهذا عام في الأموال وغيرها خلاف ما يذهب إليه أهل العراق من التفرقة في هذا بين المال والنكاح، وقد تبين مالك وجه استحسانه لطلاقها وهو في المسألة التي مضت في رسم نذر سنة أن يصومها من سماع ابن القاسم آكد عليه منه في هذه لأنها هي المتعدية عليه في إنكارها النكاح، والحمد لله.

.مسألة العبد يتزوج بغير إذن مولاه ويقره سيده فهل يلزم السيد الصداق:

وقال في العبد يتزوج بغير إذن مولاه فرآه مولاه يدخل على امرأته هل يلزم السيد الصداق حيث رآه ولم يكن أذن له في النكاح، قال: إن شهد على السيد أنه علم بنكاحه وأقره رأيت النكاح جائزا ورأيت الصداق على العبد بما أقر سيده له من ذلك بعد علمه به.
قال محمد بن رشد: أما إن شهد على السيد أنه أقر نكاحه بعد علمه بذلك فلا كلام في أن الصداق يلزم العبد في ماله ويثبت النكاح، وكذلك إن شهد عليه بأنه علم بدخوله على امرأته فسكت على ذلك ولم ينكره لأن سكوته على ذلك يسقط ماله من الحق في التفرقة بينهما، كمن ملك رجلا أمر امرأته فلم يقض حتى أمكنته من وطئها. وإذا ثبت النكاح وسقط خيار السيد فيه وجب أن يلزم العبد الصداق في ماله فلا يدخل هذه المسألة الاختلاف في السكوت هل هو إذن أم لا؟ وستأتي هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد، والحمد لله.

.مسألة المسلم يغر اليهودية أو النصرانية فينكحها ويقول أنا على دينك:

وقال في المسلم يغر اليهودية أو النصرانية فينكحها ويقول: أنا على دينك فيطلع عليه بعد أن دينه على غير ذلك إن فراقه بيدها.
قال محمد بن رشد: مثله لمالك في كتاب ابن المواز وله في المبسوط من رواية ابن نافع أن النكاح ثابت ولا خيار لها، وهو قول ربيعة إن الإسلام ليس بعيب، والأول أظهر أن لها الخيار من أجل الشرط وإن لم يكن الإسلام عيبا لأن لها في كونه على دينها غرضا قصدته فوجب أن يكون لها الرد بما شرطت، كالرجل يشتري الأمة على أنها نصرانية ليزوجها عبده النصراني أو ليمين عليه ألا يملك مسلمة فيجدها مسلمة أن له أن يردها. ولو لم يغرها وتزوجته وهي تظنه نصرانيا لم يكن لها خيار، وكذلك الرجل يتزوج المرأة نصرانية ولم يعلم فلا حجة في ذلك له حتى يشترط أنها مسلمة أو يظهر ويعلم أنه إنما تزوجها على أنها مسلمة لما كان يسمع منها من إظهار الإسلام فهذا كالشرط، قال ذلك في كتاب محمد.

.مسألة تزوج الحرة على الأمة والأمة على الحرة:

وقال في الرجل تكون تحته الأمة: إنه لا بأس أن يتزوج عليها حرة، فإن كانت عنده حرة فلم تكفه ولم يكن له ما يتزوج به حرة أخرى فليتزوج أمة أخرى حتى يجتمع عنده أربع.
قال محمد بن رشد: قوله في الرجل تكون تحته الأمة إنه لا بأس أن يتزوج عليها حرة صحيح على مذهبه بأن الحرة ليست بطول يمنع بها من نكاح الأمة لأن من يراها طولا يمنع به من نكاح الأمة يقول: إنه إذا تزوجها على الأمة فرق بينه وبينها، ولم يذكر إن كان يكون للمرأة خيار إن لم تعلم أن تحته أمة أم لا، وينبغي أن يكون ذلك لها على قوله إنه لا يتزوج الأمة إلا أن يخشى العنت ولا يجد طولا لحرة، وهو قوله هاهنا خلاف ما تقدم له في رسم نقدها، وقد مضى هناك من القول على ذلك ما فيه كفاية.

.مسألة رجل تزوج امرأة واشترط عليها أنه لا نفقة لها عليه:

وقال في رجل تزوج امرأة واشترط عليها أنه لا نفقة لها عليه أرى إن كان لم يدخل بها أن يفسخ نكاحه، وذلك أن مثل هذا الشرط لا ينبغي أن يقع في النكاح، وإن كان دخل بها فنكاحه جائز وشرطه باطل وعليه ما على المسلمين من النفقة على نسائهم، ولو شرطت عليه عند عقدة النكاح أن لي من القوت كذا وكذا في كل شهر فإن دخل بها بطل شرطها عليه وكان لها عليه مثل ما لمثلها على مثله من النفقة، قلت: فإن لم يدخل بها أيفسخ أيضا أم لا؟ قال: نعم يفسخ أيضا.
قال محمد بن رشد: ويكون فيه صداق المثل لا المسمى، قال ابن المواز: لأنه كصداق مجهول، قال أصبغ: وإن لم يبن وترك الشرط ثبت النكاح كالنكاح بصداق بعضه معجل وبعضه إلى موت أو فراق، وساوى ابن القاسم فيما يأتي في رسم باع شاة بين الذي يتزوج على أن لا نفقة وعلى أن لا ميراث بينهما، فقال في ذلك: إنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ولم ينص هل يكون فيه الصداق المسمى أو صداق المثل وإرادته أنه يكون فيه صداق المثل، وقال أشهب: إنهما يفسخان جميعا قبل البناء وبعده، وفرق أصبغ بينهما فقال: يفسخ النكاح على أن لا ميراث بينهما قبل وبعد، ويفسخ النكاح على أن لا نفقة على الزوج قبل البناء ويثبت بعده، وهذا النوع من الأنكحة التي تنعقد على الشروط الفاسدة مثل أن يتزوج على أن الطلاق بيد غير الزواج أو على ألا يكون معها بالنهار أو على أنه بالخيار أو على أنه إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بينهما وما أشبه ذلك الاختلاف فيها كلها، قيل: إنها تفسخ قبل الدخول وبعده، وقيل: إنها تفسخ قبل وتثبت بعد، وإن كان بعضها أشد من بعض، والأظهر فيها كلها أن تثبت بعد الدخول ويكون فيها صداق المثل، وقد مضى هذا المعنى في رسم سن من سماع ابن القاسم وغيره.

.مسألة البكر تخطب من وليها فتدس إلى خطيبها شيئا من مالها:

وقال في البكر تخطب إلى وليها فيسأل صداقا كثيرا فيكره الخاطب أن يتزوجها بذلك الصداق فتدس إليه المرأة شيئا من مالها يستعين به على صداقها وهو يجعل مع ذلك الذي أرسلت به شيئا من ماله يتحلل به النكاح، قال: لا يجوز ذلك لأنها مولى عليها لا يجوز لها أمر في مالها حتى يدخل بها زوجها، ولا أراه إلا لها إن رجعت فيه حين يدخل عليها، قال: وإن كانت ثيبا جاز.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم نقدها من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وفي قوله هاهنا لا أراه إلا لها إن رجعت فيه نظر؛ لأن عطية البكر لا تجوز على حال، وإن لم ترجع هي فيه فللولي أن يقوم في ذلك، فإن لم يفعل فلا يجوز له هو أن يمسكه وعليه أن يرده، ومعنى ذلك بعد دخول زوجها بها وملكها أمر نفسها فحينئذ تكون مخيرة بين أن ترجع فيه على الزوج أو تتركه له، والله أعلم.

.مسألة تزوج امرأة فاشترطت عليه رأسين في صداقها بمائة دينار:

وعن رجل تزوج امرأة فاشترطت عليه رأسين في صداقها بمائة دينار كل رأس بخمسين دينارا وكانت الرقيق يومئذ رخيصة يباع الرأس الرضي بخمسين دينارا ثم غلت الرقيق بعد ذلك فلا يوجد الرأس إلا بمائة دينار إنه إن كانوا وصفوا الرأس بخمسين وإنما كانت الخمسون صفة للرأس بمنزلة ما يوقت بصفة معلومة مما يتواصف الناس بينهم إذا أسلفوا في الرقيق وابتاعوا، كقول الرجل: هو لك صبيحا تاجرا فصيحا فإني أرى هذه الصفة لازمة غلت الرقيق أو رخصت، وإن كانوا إنما سموا الخمسين دينارا لكيما لا يزول غلت الرقيق أو رخصت فأرى الرجل حينئذ بمنزلة وكيل وكلوه أن يبتاع لهم رأسا بخمسين دينارا فلا أرى عليه غير الخمسين غلت الرقيق أو رخصت، قال ابن القاسم: وإن وقعت بالرأسين صفة فالصفة لازم غلت الرقيق أو رخصت والخمسون لغو.
قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال: إنهم إن كانوا أرادوا بالخمسين صفة الرأس فالصفة هي اللازمة، وإن كانوا إنما سموا الخمسين لكي تكون ثابتة على الزوج لا ينقصهم شيئا منها فهو بمنزلة الوكيل على الشراء بها. وإن لم يتبين هل أرادوا بالخمسين الصفة أو العدد، فأمرهم محمول على مراعاة العدد الذي سموه حتى يعلم أنهم قصدوا به الصفة، وقد مضى في رسم مرض من سماع ابن القاسم في هذه المسألة زيادة بيان لها لا معنى لإعادتها.

.مسألة الرجل يتزوج الحرة فيصيبها ثم تلد من زنى في ثلاثة أشهر:

وقال في الرجل يتزوج الحرة فيصيبها ثم تلد من زنى في ثلاثة أشهر إنه يفرق بينهما ولا يتراجعان أبدا بمنزلة النكاح في العدة.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو تزوجها في استبرائها من الزنى ودخل بها على هذه الرواية، وهو قول مطرف وروايته عن مالك، ويرجع بالصداق مثل العيوب التي ترد منها، قاله في المختصر الكبير، وذهب ابن الماجشون إلى أنها لا تحرم عليه بالتزويج في الاستبراء من الزنى ولا من الاغتصاب، وكذلك الحمل منهما على قوله، وهو أحد قولي ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، ثم رجع فقال: أما في الحمل فلا يتزوجها وأما في غير الحمل فلا بأس، وفي هذه التفرقة لابن القاسم نظر، ولا يحملها القياس، وإنما قال بها لرواية يرويها ابن وهب عن مالك مجردة في الحمل إنه لا يتزوجها، والقياس أن يكون بالعكس لأن في تزويجها في الاستبراء اختلاط الأنساب، وليس ذلك في تزويجها حاملا، ألا ترى أن بعض أهل العلم قد أجاز لمن زنت زوجته وهي حامل منه ظاهرة الحمل أن يطأها قبل الوضع لأمنه من اختلاط الأنساب، فيتحصل في المسألة على هذا أربعة أقوال، واستحب أصبغ ألا يتزوجها أبدا إذا تزوجها ودخل بها وهي حامل من زنى أو في الاستبراء منه، فإن فعل لم يمنع من ذلك بقضاء.

.مسألة رجل تزوج امرأة وأصدقها أباها وأعطته خمسين دينارا:

وقال في رجل تزوج امرأة وأصدقها أباها وأعطته خمسين دينارا: لا خير في هذا النكاح ويفسخ إن لم يدخل بها لأن مالكا قال لي: لا خير في أن يتزوج الرجل المرأة بمائة دينار وبخادم يأخذها منها قيمتها أدنى من المائة ولا يكون ذلك، وقال غيره من أهل العلم فالذي أصدقها أباها وأخذ منها دنانير مثل هذا سواء، فهو نكاح مفسوخ، وإن دخل بها فعسى أن يكون لها صداق مثلها، قلت: فالأب حين ملكته وأعتق عليها أيرد إلى الزوج؟ قال: كيف يرد؟ إذا فات كان عليه قيمته، ألا ترى أنه قد فات حين ملكته لأن ملكها إياه عتق.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بينهم في أن النكاح جائز إذا تزوجها على أبيها أو على أخيها أو على أحد ممن يعتق عليها، فلا فرق على هذا بين أن يصدقها أباها على أن تعطيه خمسين دينارا أو يصدقها عبدا على أن تعطيه خمسين دينارا إلا فيما يجب من عتق أبيها عليها ووجوب قيمته عليها إذا فسخ النكاح لما اقترن به من البيع، وقد مضى في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده القول في حكم اجتماع البيع مع النكاح في صفقة واحدة موعبا مستوفى فلا وجه لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول للرجل ولني إنكاح وليتك ولها كذا وكذا أو يجعل ذلك إليه:

ومن كتاب الجواب:
قال: وسألته عن الرجل يقول للرجل ولني إنكاح وليتك ولها كذا وكذا أو يجعل ذلك إليه ولا يأخذ عليه شيئا ثم يريد أن يعزله عما جعل إليه من ذلك، قال ابن القاسم في الذي جعل ذلك بجعل لا يحل ذلك ولا يصلح ويرد الجعل على كل حال وهو يعزله عن ذلك إن شاء في الوجهين جميعا كان بجعل أو بغير جعل، فإن فات ذلك ووقع النكاح رد الجعل على كل حال ونظر فإن كانت الوليه مالكة لأمرها وقد كانت عرفت الزوج وسمي لها قبل العقد ورضيت به أو كانت بكرا في ولاية أبيها ثبت النكاح ولم يرد، وإن كانت مالكة لأمرها ولم يسم لها الزوج ولم تعرفه فسخ النكاح إن كان لم يدخل بها لأن مالكا قال في المرأة تفوض أمرها إلى وليها ينكحها وتجعل ذلك إليه ولا تسمي له الرجل ولا يسميه لها فيزوجها رجلا فإذا بلغها ذلك أنكرت ذلك وقالت: لم أكن أريد هذا ولا أرضى به، قال مالك: ذلك لها ولا يلزمها ذلك النكاح حتى يسمى لها وتعرفه، وإن كان في مسألتك قد دخل بها رأيت أن يثبت لأن ذلك منها رضى، قال سحنون: إذا فوضت إليه نكاحها ليزوجها ممن شاء فزوجها كفؤا فالنكاح جائز سمي لها أم لا، بكرا كانت أو ثيبا.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز الجعل في هذا وقال: إنه لا يحل ولا يصلح من أجل أن للمجاعل أن يعزله عما جعل إليه من ذلك لأنه إن لم يعزله تم له ما أراد وأعطى عليه الجعل من تزويج وليته ممن أحب لما له من الغرض في ذلك والرغبة فيه، وإن عزله لم يتم له ما أراد فكان غررا، وإن ارتجع ماله عاد سلفا فكان حراما لأنه سلف جر منفعة إذ لم يسلفه لله وإنما أسلفه رجاء أن يتم له ما أراد من تزويج وليته لمن يحب. ولو لم يكن له أن يعزله عما جعل إليه من ذلك من أجل الجعل الذي جعل له فيه لجاز ذلك على مذهب سحنون في البكر والثيب وإن لم يسم لها الزوج إذا رضيت بالأمر وعلى مذهب مالك في البكر ذات الأب وفي الثيب إن كان سمى لها الزوج وعرفته؛ لأن غرضه الذي أعطى عليه المال من تزويج ولية الرجل لمن يحب يتم له فيرتفع الغرر والحظر والحرام في ذلك، وقد أجاز ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع العيوب أن يقول الرجل للرجل ولني بيع دارك بكذا وكذا ولك كذا وكذا، والوجه في إجازة ذلك أنه لم ير للمجعول له رجوعا فيما جعل إليه بما أعطاه إذ لم يتعلق بذلك حق لغيره بخلاف النكاح الذي يتعلق فيه حق الولية المتزوجة، وقد كان بعض الشيوخ يذكر في الفرق بين المسألتين فرقا يغرب به ويزهى باستنباطه إياه واهتدائه إليه وهو أنه في النكاح جعل على ما لا منفعة فيه للجاعل، وفي البيع جعل على ما له فيه منفعة، إذ قد يشترط على المشتري في البيع أكثر من الجعل فيكون قد انتفع بالزيادة التي صارت إليه، وإن اشترط على الزوج في النكاح شيئا لم يكن له وكان للزوجة؛ لأن كل ما اشترطه الولي من حباء أو كرامة فهو للزوجة، فصار قد أعطى الجعل على ما لا منفعة له فيه، وهو وهم من قائله إذ لا فرق في هذا بين النكاح والبيع؛ لأن من وكل رجلا على أن يبيع له سلعة فباعها واشترط لنفسه على المشتري شيئا يأخذه منه فلا حق له فيه، وهو لرب السلعة كما يشترط الولي على الزوج سواء، فالفرق بين المسألتين هو ما ذكرناه لا ما سواه، والله أعلم. وتشبيه ابن القاسم في هذه المسألة مسألة الذي يوكل الرجل أن يزوج وليته المالكة لأمر نفسها يزوجها دون أن يسمي لها الرجل وتعرفه بمسألة مالك في التي تفوض أمرها إلى وليها وتجعل إليه إنكاحها فيزوجها دون أن يسمي لها الزوج أو تعرفه ليس بصحيح؛ لأن مسألة مالك قد قدمت المرأة فيها وليها والمسألة الأولى لم تقدم وليها فهما مسألتان مفترقتان، أما الذي زوج وليته قبل أن يستأمرها أو وكل رجلا فزوجها قبل أن يستأمرها فلا اختلاف أن النكاح لا يلزمها إذا لم ترض به، واختلف إن رضيت به فقيل: إن النكاح جائز، وهو دليل قوله في آخر المسألة وإن كان في مسألتك قد دخل بها رأيت أن يثبت لأن ذلك منها رضى، وقيل: إنه لا يجوز وهو ظاهر قوله في صدر المسألة فسخ النكاح إن كان لم يدخل بها إذ لم يفرق في ذلك بين قرب ولا بعد، وقيل: يجوز في القرب ولا يجوز في البعد، وهو المشهور حسبما مضى بيانه في أول رسم من سماع ابن القاسم، واختلف إن وقع النكاح في البعيد أو في القريب على القول بأنه لا يجوز، فقيل: إنه يفسخ ما لم يدخل، وهو قول ابن القاسم هاهنا واختيار محمد بن المواز، وقيل: يفسخ ما لم يطل بعد الدخول، وقيل: يفسخ أبدا وإن طال على ما مضى القول فيه في سماع ابن القاسم أيضا، وأما الذي وكلته وليته أن يزوجها فزوجها ولم يسم لها الزوج فقيل: إن النكاح يلزمها وإن لم ترض، وهو قول سحنون هنا وفي سماع أشهب، وقيل: لا يلزمها ويجوز إن رضيت في القرب والبعد، وهو ظاهر قول مالك هنا وفي المدونة، وقيل: إنما يجوز إذا أجازت بقرب ما عقد عليها الولي النكاح، وأما إن بعد الأمر فلا يجوز وإن أجازته إلا أن يجدد نكاحا جديدا بعد فسخ الأول، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وبالله التوفيق.

.مسألة الذي يصيبه الجذام فتصبر عليه امرأته سنين ثم تريد فراقه:

وسألته عن الذي يصيبه الجذام فتصبر عليه امرأته سنين ثم تريد فراقه أو ترفع أمرها إلى السلطان ليخيرها، فلما أراد ذلك كرهت فراقه وقالت: أنا أقيم على زوجي ثم أرادت فراقه بعد ذلك، وكيف إن لم يكن ذلك منها عند السلطان إلا عند قوم أشهدتهم على إقامتها معه ثم أرادت فراقه بعد ذلك؟ قال ابن القاسم: إن زاد جذامه ذلك على ما كان يوم أقامت عليه وتغير عن حاله تلك إلى ما هو أضر منه وأدنى كان ذلك لها لأنها تقول: ظننت أنه لا يزيد على حالته وأنه سينقص ويذهب، فأما إذا زاد فلا أرضى أن أقيم عليه فذلك لها، ويفرق بينهما إذا طلبت ذلك، وإن كان على حالته يوم أقامت عليه لم يزد فليس لها بعد ذلك كلام ولا حجة بأن تقول ظننت أنه سيذهب، فأما إذا لم يذهب فأنا لا أريد الإقامة فليس ذلك لها، وسواء كان صبرها عليه وإقامتها معه عند سلطان أو غير سلطان فذلك سواء إذا أشهدت أو شهد عليها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل القول فيها في رسم نقدها من هذا السماع، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يزوج أمته عبد قوم على أن أول ولد تلده فهو حر:

قال: وسألت عن الرجل يزوج أمته عبد قوم أو رجلا حرا على أن أول ولد تلده فهو حر ثم يصدقها امرأته أو يبيعها والأمة حامل أو حملت بعد أن باعها وأصدقها فلا يعلم بذلك حتى تضع عند المشتري أو عند المرأة؟ قال ابن القاسم: ما حملت بعد أن أصدقها أو باعها في ملك المشتري أو المرأة فهو رقيق ولا حرية له لأن بيعه إياها أو إصداقه إياها قطع للشرط الذي في الولد وفسخ له لأنه بمنزلة رجل جعل لجاريته أن ما ولدت أو أول ولد تلده فهو حر، فإذا باعها قبل ذلك سقط ما كان جعل لها من ذلك ما دامت عنده وفي ملكه، وهو يبيعها إن شاء، فإذا باعها بطل ذلك، والنكاح مفسوخ في مسألتك على كل حال، وأما إن حملت في ملك السيد الذي زوجها على ذلك ثم باعها أو أصدقها وهي حامل فالولد حر على كل حال، وولاؤه للبائع، وتقوم الجارية على المشتري إن فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق أو شيء من وجوه الفوت فيها يوم قبضها بحالها يومئذ على أن الولد مستثنى أن لو كان يحل بيعها على ذلك وإن لم تفت ردت وإن فاتت بيد المرأة التي أصدقها إياها بشيء مما ذكرت لك من وجوه الفوت رجعت على الزوج بما بين القيمتين بمنزلة عيب وجدته فيها وقد فاتت في يدها، وإن لم تفت في يديها ردتها ورجعت عليه بقيمتها.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يزوج أمته عبد قوم أو رجلا حرا على أن أول ولد تلده فهو حر إن النكاح يفسخ على كل حال هو مثل ما في رسم الكبش من سماع يحيى، وقال ابن الماجشون في الواضحة إنه إذا لم يعثر عليه حتى ولدت فلا يفسخ النكاح لأن الشرط قد ذهب، وقوله يأتي على رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في نكاح المريض والمريضة إنهما إذا صحا قبل أن يفسخ النكاح ثبتا على نكاحهما لذهاب علة الفسخ، وأما إن زوجها على أن كل ولد تلده فهو حر فلا اختلاف في أن النكاح يفسخ أبدا إلا أن يدخل في ذلك الاختلاف بالمعنى على ما ذكرناه في رسم سن من سماع ابن القاسم، وقوله: إن بيع السيد إياها أو إصداقه إياها قبل أن تحمل قطع للشرط في الولد صحيح مثل ما في المدونة إلا أن مالكا استثقل فيها بيعها وقال: يفي لها بما وعدها. وأما إذا حملت فلا يجوز له أن يبيعها إلا أن يرهقه دين فتباع في دينه، قاله في المدونة ومثله في رسم الكبش من سماع يحيى، وقد قيل: إنها لا تباع في الدين، وهو قول سعيد بن عبد الله المعافري وقال: لأن أخطئ في البيع أحب إلي من أن أخطئ في العتق، وهو قول أصبغ، وكذلك اختلف أيضا إذا مات سيدها قبل أن تضع هل للورثة أن يقتسموها ويبطل العتق في الجنين أم ليس ذلك لهم؟ فقال ابن القاسم: ذلك لهم، وقال أصبغ: ليس ذلك لهم إلا أن يطول الأمر ويخاف على الميراث التلف، وذلك عنده إذا حمل الثلث الأمة على أصله في أن الجنين لا يعتق إذا وضعته في مرض سيدها أو بعد موته إلا من الثلث، وأما إن لم يحملها الثلث فيوافق ابن القاسم في أنه يخلى بينهم وبين بيعها واقتسامها. ووجه قوله أنه لما كان عتق الجنين من الثلث لم ير أن يوقف على الورثة الجارية بسبب جنينها إذا كانت قيمتها أكثر من الثلث، وقد كان القياس على قوله إنها لا تباع في حياة سيدها في الدين حتى تضع ألا تباع بعد الوفاة إذا حملها الثلث حتى تضع طال الأمر أو لم يطل إذ لا حجة للورثة إذا لم يوقف أكثر من الثلث، وأما ابن القاسم فجرى على أصله بأن قال. لا يلزم الورثة بعد الوفاة أن يتربصوا بها حتى تضع كما لا يلزم الغرماء في حال الحياة أن يتربصوا بها حتى تضع وتباع في الوجهين ويبطل العتق في الجنين، والقياس على القول بأنه حر من رأس المال وإن وضع بعد موت السيد كالمعتق إلى أجل وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة ألا تباع حتى تضع في حال من الأحوال إلا أن يسبق الدين العتق، وقد روي عن ابن القاسم أنه لا يعتق إلا من الثلث إذا وضعته في مرض السيد أو بعد موته، فإن باعها بعد أن حملت ولا دين عليه أو أصدقها امرأة فقال في هذه الرواية: إنها إن كانت قائمة بيد المشتري أو الزوجة لم تفت بحوالة سوق فما فوقه ردت بعينها ورجع المشتري على البائع بالثمن والزوجة على الزوج بقيمتها، وإن كانت قد فاتت بشيء من ذلك كان على المشتري قيمتها يوم قبضها على أن الولد مستثنى أن لو كان يحل بيعها على ذلك لأن الجنين قد ثبتت حريته على البائع قبل أن يبيعه ورجعت الزوجة على الزوج بما بين القيمتين بمنزلة عيب وجدته فيها وقد فاتت في يديها، هذا معنى قوله وفيه نظر، أما قوله في البيع فإنما يستقيم إذا كان البيع فاسدا إما بأنه باعها بجنينها وأعلم المبتاع أنه قد كان أعتقه، وإما أن يكون باعها على أن جنينها حر لأنه لو باعها ولم يعلم المبتاع أنه قد كان أعتق جنينها لما كان البيع فاسدا ولوجب إن كانت قائمة لم تفت بالعيوب المفسدة أن ترد على كل حال، إذ لا يجوز للمبتاع أن يمسكها على أن جنينها مستثنى وإن فاتت بالعيوب المفسدة أن يكون مخيرا بين أن يرجع بما بين القيمتين من الثمن وبين أن يرد وما نقصه العيب المفسد عنده ويرجع بجميع الثمن. وأما قوله في النكاح بها فلا يستقيم بحال لأنه إن كان تزوج بها على أن يكون الجنين للمرأة وأعلمها أنه قد كان أعتقه أو على أن جنينها حر فالنكاح فاسد يفسخ قبل البناء ويرد إلى صداق مثلها بعد البناء وترد الأمة إن كانت قائمة أو قيمتها إن كانت فائتة على أن الجنين مستثنى أن لو كان يحل بيعه على ذلك، وإن كان تزوج بها ولم تعلم المرأة بعتق جنينها لوجب أن تردها إن كانت قائمة لم تفت بشيء من العيوب المفسدة وترجع بقيمتها، وإن كانت قد فاتت بالعيوب المفسدة كانت مخيرة بين أن ترجع بما بين القيمتين بمنزلة عيب وجدته فيها وبين أن تردها وما نقصها العيب المفسد عنده وترجع بقيمتها صحيح، فقوله: إنها تفوت بما يفوت به البيع الفاسد بعيد غير صحيح، وساوى ابن حبيب في البيع بين أن يبيعها على أن جنينها حر وبين أن يبيعها ويكتم المبتاع ذلك، ولم ير أن تفوت في الوجهين جميعا إلا بالعيوب المفسدة، قال الفضل: وإنما لم ير أن تفوت في البيع الفاسد بحوالة الأسواق لأن القيمة كانت تكون فيها على المبتاع على أن الجنين مستثنى، وذلك لا يجوز في البيع، وفرق بين الوجهين في النكاح بها على ما ذكرناه، وقد قيل: إنه إذا أعتق الجنين في بطن أمه جاز أن يبيع الأمة على أن جنينها حر، وأن يتزوج بها على أن جنينها حر، وليس ذلك باستثناء للجنين إذ لا يقدر على بيعه مع أمه لتقرر الحرية فيه قبل البيع، وقيل: لا يجوز ذلك إلا في التفليس، والثلاثة الأقوال في بيع الحائط المساقى.

.مسألة الرجل يزوج وليته بنقد مائة دينار ورأس بمائة دينار ولم يوصف الرأس:

قال: وسألت عن الرجل يزوج وليته بنقد مائة دينار ورأس بمائة دينار ولم يوصف الرأس؛ أيجوز هذا النكاح؟ قال ابن القاسم: نعم جائز صحيح، والتسمية صفة يجتزى بها، وإن طلقها قبل الدخول عليها غرم نصف الأمرين جميعا، وهو مائة دينار؛ لأن النقد مائة والرأس مائة، فلها نصف هذه وهي خمسون، ونصف ثمن الرأس وهو خمسون، ولو تزوجها بأرؤس ولم يصف لها صفة ولا سمى لها ثمنا كان جائزا وكان لها وسط من ذلك، إن كانوا حمرانا كان لها وسط من الحمران وإن كانوا سودانا كان لها وسط من السودان، ينظر إلى أرفع الحمران أو السودان وإلى أوضع الحمران والسودان فتعطى ما بين ذلك، وإن طلقها قبل الدخول أعطيت نصف ذلك على ما فسرت لك، وإن لم يسموا حمرانا ولا سودانا وقد تزوج بأرؤس فهو على رقيق تلك البلدة الذين يزوجون عليهم الغالب من ذلك عليهم إن حمران فحمران وإن سودان فسودان، وإن كان رقيق البلدة حمرانا وسودانا جميعا فنكح بهم ولم يسموا حمرانا ولا سودانا نظر إلى وسط الحمران ووسط السودان فضم ذلك كله ثم أعطيت نصف ذلك والقيمة في ذلك الوسط من الرقيق إنما هي يوم وقعت العقدة أمسك أو طلق.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم الرهون القول في تسمية العدد في الرأس المنكح به فلا معنى لإعادة ذلك، ومضى في أول رسم وفي رسم سن ما يبين معنى قوله والقيمة في ذلك إنما هي يوم وقعت العقدة أمسك أو طلق، فلا معنى لإعادة ذلك أيضا والحمد لله.

.مسألة الرجل يتزوج بمال ولد ولده ثم يقوم عليه ولد الولد بعد زمان:

قال: وسألت عن الرجل يتزوج بمال ولد ولده ثم يقوم عليه ولد الولد بعد زمان هل يأخذ ماله؟ قال ابن القاسم: نعم يأخذه إن وجده بعينه لم يفت أخذه حيث وجده، وإن لن يجده بعينه ووجده قد استهلكته المرأة لم يكن على المرأة شيء إذا لم يكن طعاما أكلته أو ثيابا أبلتها، فإن كان ذلك كذلك غرمته علمت أو لم تعلم وكذلك الولد الكبير مثل ذلك سواء، وأما الولد الصغير الذي في حجره فليس لهم إليه سبيل، وإن وجده بعينه لم يكن لهم أخذه وكانت المرأة أحق به واتبعوا الأب بقيمته يوم أخذه وأصدقه إن لم يكن له مال، علمت المرأة أن المال لولده الأصاغر أو لم تعلمه فهي أحق به، ولا يؤخذ منها شيء، ولا سبيل للولد إليه على حال.
قال محمد بن رشد: فراق ابن القاسم بين أن يعتق الرجل عبد ابنه الصغير أو يتصدق به أو يتزوج به فقال: إن العتق ينفذ إن كان موسرا ويغرم القيمة لابنه ويرد إن كان معدما إلا أن يطول الأمر فلا يرد، قال أصبغ: لاحتمال أن يكون حدث له في خلال ذلك يسر لم يعلم به، وأما إن علم أنه لم يزل عديما في ذلك الطول فإنه يرد، وقال: إن الصدقة ترد موسرا كان أو معدما، وقال في التزويج: إن المرأة أحق به موسرا كان الأب أو معسرا ويتبع الابن أباه بقيمته، قال في المدونة: الرواية يوم أخذه وأصدقه امرأته يريد يوم تزوج عليه لا يوم دفعه لأنه بيع من البيوع، كذا قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب، فظاهره وإن لم تقبضه المرأة، وفي سماع أصبغ أن الابن أحق به من المرأة ما لم تقبضه المرأة وما لم يطل في يديها بعد القبض، وأما إن قام بعد القبض باليوم واليومين والأمر القريب فهو أحق به ويكون كالاستحقاق، وتتبع المرأة الأب بقيمته، وسواء على مذهب ابن القاسم دخل الأب بالمرأة أو لم يدخل بها، وفرق مطرف بين أن يدخل بها أو لا يدخل، ورواه عن مالك وقال ابن الماجشون: الابن أحق دخل الأب أو لم يدخل، قبضت الزوجة أو لم تقبض، طال الأمر أو لم يطل، وهذا الاختلاف إنما هو إذا كان الأب معسرا، وأما إن كان موسرا فالزوجة أحق قولا واحدا، ولا اختلاف بينهم فيما تزوج به من مال ولده الكبير أو ولد ولده أنهم أحق به من الزوجة في يسر الأب وعدمه، وأجاز أصبغ فعل الأب كله في مال ابنه من الهبة والصدقة والعتق والإصداق في القيام والفوات والعسر واليسر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «أنت ومالك لأبيك» فعلى ظاهر الحديث لا فرق بين الصغير والكبير، وبالله التوفيق.